تهذيب الإعلام ببعض رجالات تركستان تأليف محمد قاسم بن أمين بن مؤمن بن هاشم الكاشغري التركستاني المكي (1349 – 1442هـ / 1930 – 2020م) أشرف على تهذيب الكتاب د. عبد العزيز رحمة الله الكاشغري مركز ساجية للبحوث والدراسات الإسلامية

صدر حديثا عن مركز ساجية للبحوث والدراسات الإسلامية كتاب تهذيب الإعلام ببعض رجالات تركستان

كلمة الناشر

ما في هذا الكتاب قطرة من بحر تاريخ علمائنا الأمجاد وآبائنا الأبطال التركستانيين الذين نشروا الإسلام وثبتوه فيها وفي ربوع العالم، ورفعوا لواء العلم، وكافحوا الجهل وأسهموا في الحضارة الإنسانية في كل ميدان وفن. وتركستان بلاد الترك كانت تعرف بين المؤرّخين بـ«بلاد ما وراء النهر»، فأما الجانب الغربي منها فيشتمل على الجمهوريات الإسلامية الخمسة التي استقلت عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وهي جمهوريات كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، وأما الجانب الشرقي منها وهي بلاد تركستان الشرقية فقد تشرفت بالإسلام منذ القرن الأول الهجري، وعم الإسلام في هذه البلاد عندما أسلم خاقان الترك سَتوقْ بُغْرا خان (عبدالكريم) في القرن الرابع الهجري، وقام فيها أول دولة تركية إسلامية قوية باسم «الدولة القاراخانية» التي حكمها أتراك الأويغور والقارلوق وياغما، وتمددت في بلاد ما وراء النهر فيما بين 840-1212م، وأصبحت مركزا من مراكز العلم والثقافة، وقدمت للعالم علماء في ميادين شتى من العلم والثقافة كما أصبحت قلعة حصينة للإسلام في الشرق، وقام أهلها بدور بارز في نشر الإسلام حاملين لواء الجهاد والدعوة الإسلامية.

ودامت في هذه البلاد دول الأتراك المختلفة عبر التاريخ إلا أن الأخيرة منها أعني دولة يعقوب بك وقعت بأسرها تحت الاحتلال الصيني سنة 1878م حتى أعلنت في التاسع عشر من نوفمبر سنة 1884 أن تركستان الشرقية مقاطعة صينية، وذلك مما أدى إلى ثورة التركستانيين وقيام «جمهورية تركستان الشرقية الإسلامية» في الثاني عشر من نوفمبر عام 1933م، ثم قيام «جمهورية تركستان الشرقية الثانية» في الثاني عشر من نوفمبر عام 1944م.

وفي سنة 1949م احتلها الشيوعيون الصينيون، ثم بدأت المأساة التي لا يعرف عنها شيئا كثير من إخواننا في العالم الإسلامي. ودامت عهود مليئة بالإرهاب والظلم والغصب والتصفية الجسدية للعلماء والزعماء والوطنيين الأحرار والوجهاء والأثرياء، وبإقامة معسكرات الاستخدام الإجباري، ومصادرة الأملاك والأوقاف، وتحريق المصاحف والكتب الإسلامية، وتهجير الأهالي من تركستان الشرقية إلى داخل الصين وترحيل الصينيين إليها، ومحاربة كل ما يمت للإسلام والهوية التركية من قيم وعادات ولغات وثقافة وتراث… ثم اشتد الظلم والقهر في السنوات الماضية حتى الآن، وبلغ ذروته في غفلة وسكوت من العالم الإسلامي والتركي والإنساني. ولك أن ترى مظاهر الظلم متمثلة في التطهير العرقي والزواج الإجباري مع الصينيين وقمع الحريات في كل المجالات مع طمس الخصوصية الثقافية واللغوية والإثنية والمس بالمقدسات.

ومنذ أن سادت في تركستان الشرقية دولة بعد دولة حتى أخرجت لنا الملوك، والأمراء، والزعماء، والعلماء، والكتّاب، والمجاهدين، والقضاة، والشهداء، والمدرسين، والمفتين، والثوريين الوطنيين… كما أخرج الخونة والعملاء وأمثالهم.

والمؤلف محمد قاسم رحمه الله ممن هاجر وهو ابن التاسع عشر من عمره مع أبيه أمين بنية الهجرة إلى الحرمين الشريفين فرارا من الظلم والقهر. ومنذ ذلك اليوم لم يَفْتُرْ قَلَمُه عن خدمة العلم، ولم ينس وطنه تركستان الشرقية، فألف الكتب والمقالات، وحاضر في الندوات عن تركستان الشرقية، واستمر في خدمة وطنه الأول كغيره من المهاجرين التركستانيين الذين اهتموا بالقضية التركستانية وبالجالية التركستانية والطلاب التركستانيين في الخارج حتى آخر أنفاسهم، وبقيت القضية في وجدانهم ونصب أعينهم أمثال الدكتور عبد القادر طاش رحمه الله. اللهم اغفر لهم، وأجزل لهم أجر ما قدموا من خدمة لدينهم ووطنهم وأبناء وطنهم، واجمعنا وإياهم في مستقر رحمتك.

وهذا السفر الذي اضطلع الأستاذ الفاضل محمد قاسم رحمه الله بتأليفه، وعانى ما عانى في جمع مواده وترتيبه وتبويبه، ولشغفه بالتراجم بذل جهدا كبيرا لجمع المعلومات عن سير الرجال فهو بلا شك من كتب التراجم التي نحن أحوج ما نكون إليها نظرا لضياع الكثير من التراث على أيدي الصينيين المحتلين. وقد عاصر المؤلف كثيرا من الشخصيات الفاضلة، وتتلمذ على العلماء الكرام وشاهدهم بعينيه وشخصه، واعتمد في تراجم أكثر من سبعمائة شخصية على بيانات شيخه العلامة الشيخ سليمان دامُلّا بن الحاج صادق الخُتَني المولد الكاشغري المنشأ الذي زوده بعدة كراسات مدونة فيها البيانات الوافية عن تلك الشخصيات، كما زوده الأستاذ محمد موسى التركستاني ببيانات لأكثر من ثلاثمائة شخصية، واستقى تراجم الشخصيات القديمة وعددها 515 ترجمة من أمهات كتب المعاجم والأعلام والسير والتواريخ بتصرف يسير عند اللزوم، واستطاع المؤلف جمع المعلومات شفويا ممن حضر إلى المملكة السعودية من الحجاج طيلة عقود من الزمن دون كلل أو توقف، وسجل بعض المقابلات الشخصية على أشرطة وراسل الكثيرين منهم فيما بعد، وقد ذكر كل ذلك في المصادر والمراجع التي أحَال عليها في كتابة تراجم الأعلام، مما اجتمع لديه تراجم الكثير من الشخصيات، كما ضمن في كتابه ذكر المدارس والمحاكم والألقاب وغيرها من الجوانب العلمية والثقافية والتاريخية عبر التاريخ مما يساعد على ربط حلقات التاريخ القصي والقريب بعضها ببعض لنرى هيكل تاريخ البلاد منسجما في إبان سؤدده ورقيه وفي إبان انهياره وتعرضه للاحتلال في تسلسل من الزمن والأحداث والأجيال. فكان ما قدمه عملا فريدا وثروة وطنية ومرجعا علميا قيما يجب الحفاظ عليه وخدمته وإبرازه وتقديمه للقراء في أحسن صورة. يسر الله لنا ترجمته إلى اللغة التركستانية في أقرب وقت.

إلا أن الكتاب الذي أتمه مؤلفه في أواخر الثمانينات من القرن المنصرم حسب ظننا وكتبه بالآلة الكاتبة لم يوفق بطبعه، وكان في حاجة شديدة إلى التصحيح والتدقيق الإملائي والتنقيح والترتيب والتهذيب. فبالرغم من ذلك طبعت المسودة منه في مكة عام 1429هـ الموافق 2008م بإعداد وعناية الأستاذ عبد الجليل طوران، وبتقديم الدكتور عبد القادر طاش رحمه الله، وبدون تحرير أو تصحيح حفاظا على المادة من الضياع ولم تنشر بصورتها اللائقة بها. فكانت في حاجة إلى تحرير وتهذيب وتنقيح لتعم الفائدة منها. ولذلك نهضنا مع نخبة من الإخوة الكرام عبد الرزاق رجب وعطاء الله سعيد ومحمد أمين بشارة لخدمة هذا السِّفر القيم وقمنا بما يلي:

1. إعداد مقدمة مشتملة على سيرة موجزة للمؤلف.

2. حذف تراجم رجال تركستان الغربية لكثرة ذكرها في كتب التراجم وغيرها، والاقتصار على التراجم المتعلقة بتركستان الشرقية وحذف التراجم المكررة.

3. عزو الآيات القرآنية إلى سورها بذكر اسم السورة ورقم الآية وتخريج الأحاديث والآثار.

4. إحالة النقول إلى مصادرها ومراجعها.

5. تصحيح المعلومات الخاطئة.

6. ضبط نصوص الكتاب وتصحيح الأخطاء النحوية والصرفية والإملائية وإصلاح الركاكة وضعف التركيب بقدر الإمكان.

7. تنسيق المعلومات والحفاظ على الترتيب.

8. التعليق في الحواشي بإضافة بعض المعلومات المهمة عند اللزوم. والإشارة إلى ذلك بحر ت

9. ذكر التاريخ الميلادي بجانب التاريخ الهجري.

رحم الله الأستاذ محمد قاسم ورفع درجته في العليين وغفر لنا وله ولجميع المسلمين والحمد لله رب العالمين.

وبطبيعة الحال، هذا الكتاب منقبة للمؤلف سيذكرها أهل تركستان الشرقية بكل تقدير له واهتمام به، لأنه هو الذي قام بهذا الجهد مشكورا، ووضع اللبنة الراسخة في تاريخ هذه البلاد. ولذلك يجب علينا أن نتكلم عن المؤلف وحياته الشخصية والعلمية باختصار.

المؤرخ الأديب
محمد قاسم بن أمين بن مؤمن بن هاشم الكاشغري التركستاني المكي

 (1349 – 1442هـ / 1930 – 2020م)

 

ولد ونشأ محمد قاسم في السابع عشر من ربيع الثاني من عام 1349هـ في أسرة متدينة في محلة «كونا أوردا» في قلب كاشغر من مدن تركستان الشرقية، وتلقى علومه الأولية في مدرسة حديثة ثم حفظ القرآن الكريم وهو ابن عشر سنين عند الشيخ الفرائضي النحوي عبد الباقي بن يوسف الآرتوجي الكاشغري (1293 – 1379هـ / 1876 – 1958م) في «مدرسة توقام»، وتعلم عنده أيضا النحو والصرف وقواعد الخط والإملاء العربي، ولازمه ست سنوات متتالية.

ثم التحق بـ«مدرسة ساقية» ثم بالمدرسة الملكية المشهورة «مدرسة خانليق» بكاشغر، ودرس فيها علوم التفسير والحديث والسيرة النبوية والأدب العربي والعروض وعلم البيان وجغرافيا.

ومن شيوخه في كاشغر:

الفقيه الأديب مولوي أمين بن عبد الحي بن عبد الحق كَتَّايايْلاَقي الكاشغري (1380 – 1311هـ / 1893 – 1960م).

الشيخ العلامة سليمان دامُلّا بن الحاج صادق الخُتَني الكاشغري (1311 – 1413هـ /1894 – 1992 م).

الفقيه المحدث القاضي حامد دامُلّا الشهير بــ«حامد مخدوم الآرتوجي» (1295 – 1373هـ /1878 – 1953م).

الشيخ بالطو القارئ دامُلّا النمنكاني الفيض آبادي، (1296 – 1373هـ /1879 – 1954م) قرأ عليه كتاب «النشر في القراءات العشر».

القاضي عبد الرحيم بالطو قارئ دامُلّا النمنكاني الفيض آبادي 1323 – 1378هـ /1905 – 1958م).

شيخ القراء والمجودين أعلم داملّا النمنكاني (1298 – 1368هـ /1880 – 1949م) عام 1365هـ، درس لديه الآجرومية مع شرحها.

العلامة المحدث الفقيه المقرئ شيخ الإسلام هاشم بن قاسم (هاشم آخون) دامُلّا مفتي كاشغر (1304 – 1367هـ ه/1887 – 1948م).

الشيخ الفقيه المحدث اللغوي توختسون داملّا الآرتوجي الكاشغري (1307 – 1374هـ /1889 – 1954م)، حضر بعض دروس «المثنوي» لجلال الدين الرومي عنده.

سافر محمد قاسم مع أبيه أمين وهو ابن التاسع عشر من عمره بنية الهجرة إلى الحرمين الشريفين بعد رمضان من عام 1368 هـ، ولبثا معا حينا في كراتشي من باكستان، وسكنا لبعض الوقت بقرب «جمعية خدمة المهاجرين لبخارى وتركستان» ثم وصلا إلى مكة المكرمة في الثاني عشر من جمادى الآخرة من عام 1369هـ.

درس محمد قاسم في «مدرسة الفلاح» وأتم فيها الابتدائية والمتوسطة والثانوية، واشترك في حلقات الدروس بالمسجد الحرام سنين عديدة وأخذ العلم عن السيد عباس العلوي المالكي (1328 – 1391هـ)، والشيخ السيد محمد العربي بن التباني بن الحسين الجزائري الحسني (1313 – 1390هـ)، والشيخ محمد حسين وغيرهم.

واشتغل بالتجارة ثم عمل في القسم التركستاني لإذاعة جدة من عام 1403هـ إلى عام 1414هـ مع محمد أمين إسلامي، والحاج محمد ثابت، وحسين عبد الكريم، وأذاع هنا تفسير القرآن الكريم باللغة الأويغورية.

ومن مؤلفاته:

1) «الإعلام ببعض رجالات تركستان»: كتب فيه وجمع سيرة 1742 شخصية من علماء ومشايخ وأدباء ومثقفين وتجار وفنانين وغيرهم. (والكتاب الذي بين يديك تهذيب ومختصر له).

2) «ملحق كتاب الإعلام ببعض رجالات تركستان».

3) «تركستان الشرقية حاضرها وماضيها».

4) «جنكيزخان وجنكيزيون».

5) «الموجز في تاريخ القاراخانيين».

6) «تركستان الشرقية في عهد ملوك الطوائف وفي الوقت الحاضر». طبع في إسطنبول عام 2000م.

7) «الموجز في تاريخ الهون قديما»، وهو ترجمة عربية لكتاب تورغون ألماس «قىسقىچە ھۇنلار تارىخى».

8) ترجمة «قوتاتقو بيليك» من اللغة الأويغورية إلى اللغة العربية شعرا، وهو كتاب مشهور ليوسف خاص حاجب البالاساغوني التركستاني.

9) ترجمة كتاب «تاريخ تركستان الشرقية» لمحمد أمين بغرا من اللغة الأويغورية إلى اللغة العربية.

10) ترجمة كتاب «سيرة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم» لأبي الحسن علي الندوي إلى اللغة الأويغورية.

11) ترجمة كتاب «العبادات في الإسلام» لأحمد عبد الهادي إلى الأويغورية.

12) وله ديوان شعر باللغة العربية والأوزبكية والأويغورية.

وقدّم محمد قاسم بن أمين لكتاب الشيخ المدرس بالمسجد الحرام حافظ برهان البخاري، كما قام بتصحيح وتحقيق: كتاب «رسالة التوحيد» المترجمة إلى اللغة الأويغورية للشيخ عبد القادر إبراهيم التركستاني، وهو مختصر لكتاب «حبل الشرع المتين عروة الدين المبين» لمحمد سلطان المعصومي الخجندي المكي.

وله أيضا مقالات صحفية كثيرة جداً في جريدة البلاد وجريدة عكاظ وجريدة صوت تركستان، وكان على علاقة وثيقة بالكثيرين من شيوخ بخارى ويزورهم ويودهم ويحضر مجالسهم سواء كانوا في مكة المكرمة أو المدينة المنورة أو جدة أو الطائف.

وله ثلاثة أبناء: د. محمد رشاد، ود. طلال، وعمر، وسبع بنات: خديجة، ومريم، وسلوى، وحنان، وأمل، وسعاد، وعبير.

ولديه مكتبة عظيمة حافلة بالكثير من كتب التاريخ، وتاريخ تركستان خاصة وبعدة لغات، والكثير منها كتب نادرة ومطبوعة ودوريات نادرة عن تركستان، وفيها الكثير من الكتب عن أدبيات تركستان الشعرية والروائية.

توفِّي المؤرخ الأديب محمد قاسم بن أمين الكاشغري التركستاني بعد مرض طويل في مكة المكرمة في شهر ربيع الأول من سنة 1442هـ، رحمه الله وغفر له وجعل الجنة مثواه.

 

د. عبد العزيز رحمة الله الكاشغري

21 من ذي القعدة 1446هـ

2025/05/19م

إسطنبول – تركيا

«ساجىيە»دىن دەرھال چۈشۈرۈۋېلىڭ! حمل الآن Download now
من هنا:
«تهذيب الإعلام ببعض رجالات تركستان1» pdf

«تهذيب الإعلام ببعض رجالات تركستان2» pdf

«تهذيب الإعلام ببعض رجالات تركستان3» pdf